محمد جمال الدين القاسمي
94
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من الخلق والعجائب - وهذا تحقيق لاختصاص الألوهية به تعالى . إثر بيان انتفائها عن غيره يَخْلُقُ ما يَشاءُ جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعتراهم من الشبهة في أمر المسيح - لولادته من غير أب ، وإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص - أي : يخلق ما يشاء من أنواع الخلق كما شاء بأب أو بغير أب . . . ! قال السمرقنديّ : وإنما قال يَخْلُقُ ما يَشاءُ لأن النصارى أهل نجران كانوا يقولون : لو كان عيسى بشرا كان له أب . فأخبرهم اللّه تعالى أنه قادر على أن يخلق خلقا بغير أب . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من خلق الخلق ، والثواب لأوليائه ، والعقاب لأعدائه - قَدِيرٌ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 18 ] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 ) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ حكاية لما صدر عن الفريقين من الدعوى الباطلة . وبيان لبطلانها بعد بطلان ما صدر عن أحدهما . أي قالوا : نحن من اللّه بمنزلة الأبناء من الآباء في المنزلة والكرامة . ونحن أحباؤه لأننا على دينه . قال ابن كثير : ونقلوا عن كتابهم أن اللّه قال لعبده إسرائيل : أنت ابني بكري . فحملوا هذا على غير تأويله وحرّفوه . وقد ردّ عليه غير واحد ممن أسلم من عقلائهم . وقالوا : هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام . كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ، يعني ربي وربكم . ومعلوم أنهم لم يدّعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام ، وإنما أرادوا بذلك معزّتهم لديه ، وحظوتهم عنده . . ! انتهى . وقال الجلال الدواني في ( شرح عقائد العضد ) : وما نقل عن الإنجيل - فعلى فرض صحته وعدم التحريف - يكون إطلاق الأب عليه بمعنى المبدأ . فإن القدماء كانوا يسمون المبادئ بالآباء . وأنت تعلم أن المتشابهات في القرآن وغيره من الكتب الإلهية كثيرة . ويردّها العلماء بالتأويل إلى ما علم بالدليل . فلو ثبت ذلك لكان من هذا القبيل . انتهى .